ابن قتيبة الدينوري

265

تأويل مشكل القرآن

24 - الروح الرّوح والرّيح والرّوح : من أصل واحد اكتنفته معان تقاربت ، فبني لكلّ معنى اسم من ذلك الأصل ، وخولف بينها في حركة البنية . والنّار والنّور من أصل واحد ، كما قالوا : الميل والميل ، وهما جميعا من مال . فجعلوا الميل - بفتح الباء - فيما كان خلقة فقالوا : في عنقه ميل ، وفي الشجرة ميل . وجعلوا الميل - بسكون الياء - فيما كان فعلا فقالوا : مال عن الحق ميلا ، وفيه ميل عليّ ، أي تحامل . وقالوا : اللّسن واللّسن واللّسن ، وهذا كله من اللسان ، فاللّسن : جودة اللّسان . واللّسن : العذل واللوم . ويقال : لسنت فلانا لسنا : أي عذلته ، وأخذته بلساني . واللّسن : اللّغة . يقال : لكلّ قوم لسن . وقالوا : حمل الشجرة - بفتح الحاء - وحمل المرأة - بفتح الحاء - وقالوا لما كان على الظهر : حمل ، والأصل واحد . في أشباه لهذا كثيرة . وقد ذكرنا منها طرفا في صدر الكتاب . وأما الرّوح : فروح الأجسام الذي يقبضه اللّه عند الممات . والرّوح : جبريل عليه السلام . قال اللّه تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ [ الشعراء : 193 ، 194 ] ، يعني جبريل . وقال : وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [ البقرة : 253 ] ، أي بجبريل . والرّوح - فيما ذكر المفسرون - : ملك عظيم من ملائكة اللّه يقوم وحده فيكون صفا وتقوم الملائكة صفّا قال : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا [ النبأ : 38 ] ، وقال عزّ وجل : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] . ويقال للملائكة : الرّوحانيّون ، لأنهم أرواح ، نسبوا إلى الرّوح - بالألف والنون - لأنها نسبة الخلقة ، كما يقال : رقبانيّ وشعرانيّ . والرّوح : النّفخ ، سمّي روحا لأنه ريح تخرج عن الرّوح . قال ذو الرّمة وذكر نارا قدحها « 1 » : فلمّا بدت كفّنتها وهي طفلة * بطلساء لم تكمل ذراعا ولا شبرا

--> ( 1 ) الأبيات من الطويل ، وهي في ديوان ذي الرمة ص 1428 - 1429 ، والبيت الأول في لسان العرب